لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين

مركز يافا الثقافي

القدس عاصمة الثقافة العربية


ليلة الإعتقال


للنكبة طعم العلقم في حلوقنا


خاطرة من وحي الاعتقال


موت قلم


لا يوجد تصويتات جديدة حالياً نتائح آخر تصويت

التعديل الوزاري على حكومة سلام فياض سيؤثر على المصالحة الفلسطينية ؟

إيجابًا: 27.27 %
سلبًا: 45.45 %
لن يؤثر: 18.18 %
لا أعرف: 9.09 %

التصويت من تاريخ 01/08/2010
الى تاريخ 30/08/2010
مجموع التصويتات: 22

من كتابات حسام خضر
New Page 1

دردشه في ثقافة اوسلو - بقلم النائب الاسير حسام خضر

20/02/2010 07:36:00

  

                                                                  سجن هداريم قسم العزل 3 غرفة 16

           شباط 2005م                                  

( الحلقة الأولى )

من دموع العين

   تُعتبر الكتابة عن تجربة الأسر كتجربة معاشة بآلامها وآمالها من حيث الاستمرارية والتواصل واحدة من أصعب التجارب التي قد تعالج بتجرد" وقصة الاعتقال، أو الأسر كواقعة مؤلمة مجهولة المصير واحدة من أكثر التجارب إيلامًا، ولكني ومن أجل رصد وقائع الاعتقال، والوقوف على حيثياته سأكتب عن ليلة الاعتقال ومجريات التحقيق بموضوعية متناهية، وصدق يقارب الحقيقة، مبتعدًا قدر الإمكان عن التهويل والمبالغة والكذب، أو الادعاء كما يحلو للبعض أن يفعل، كلما تحدّث عن تجربته الاعتقالية، أو مجريات التحقيق تحديدا.

    وإذا ما قدّر لي الخروج ذات يوم بإذن الله، فإنني سوف أستعين بيوميات التحقيق حسب سجلها لدى رجال المخابرات، بحدها الأدنى وإطارها العام، والتي هي بحوزة المحامي رياض الأنيس الآن .لأنهم لا يوَثقّون مثلاً استخدام العنف على حقيقته البشعة من ضرب، وقهر، وسلب للإرادة، وحرمان من كل الحقوق في النوم،أو حتى في الذهاب إلى المرحاض لقضاء الحاجة،أو التحكم في الطعام من حيث الوقت والكمية والنوعية، وتواصل الهجوم، ومحاولة إيجاد ثغرة ما في بنيان النفس للولوج منها إلى مفاتيح الإرادة، وزرع التراجع، وإنماء التآكل الداخلي، وهز القناعات لإحداث الانهيار المدمر بالاعتراف أولاً، والانسلاخ عن العمل الوطني الثوري ندمًا ثانياً، واختبار النفسية تجاه التعامل معهم، وبالتالي الخيانة والارتباط كمساومة ومقايضة على الحرية بدل السجن ثالثًا.

   إن الأسر حالة معاشة ذاتيًّا، إذ يصعب على الآخرين أن يعيشوا آلامها، وقسوة أيامها، وطول لياليها، فالأسر تجريد للأسير من كل وسائط العيش المادي، وحصره في أضيق إطار ممكن، وعزله عن محيطه الخارجي، وتواصله الإنساني والاجتماعي، واستمرار في فرض شروط التراجع الذاتي عليه في ظل هجوم شامل لرجال التحقيق الذين يملكون كل الإمكانيات والوسائل المادية القهرية الشاملة.

    والأسر تكثيف لضربات متوالية على الذات بهدف سلخها عن الجسد والنفس والروح والإرادة وسلطان العقل ، إنه عملية فتحٍ لأبواب الخلاص الشخصي على مصراعيها، والحثّ على عبورها، والولوج في نعيمها والذي هو هنا لا يتعدى زيادة في ساعات النوم،أو تخفيفًا لضغط التحقيق ووقفه مؤقتًا.

   والأسر قبر يحفره المحقق بأيدي جنودٍ قتلة، وبمعاول حقد تضطرم نارها عبر سلالاتهم منذ فجر التاريخ، حتى لحظة الدفن،وقتل بطيء يستعرض في وعيهم كل تجارب القمع والقهر والاستبداد والسلب،قبر تعيش فيه عذابًا متواصلاً حتى حدود الجحيم، إذ يكفيك الجدار هنا، والذي هو حد لكل شيء جميل، وبداية لكل ما فيه العذاب من ألم ومعاناة وقهر وقمع ويأس ، جدار يختزل كل معاني القيد والأسر والاعتقال والمصادرة والامتهان بذلّ، والتحقيق بقسوة.

      ومن خلاله" أي الجدار" تصطدم بكل صور التجرد من الإرادة، وبكل مضامين السلب، وبكل ما من شأنه أن يبقيك عاريّاً مجردًّا من قدراتك، جدار يصغر لدرجةٍ تضيق فيها أنفاسك،ويتسع فلا ترى منفذًا في الأفق إلا جدرانًا تستولد جدرانها بلا نهايات، ويتكرر ذات الجدار باستنساخ عجيب معجز، يرافقك طوال أيام الأسر، قد يتغير المحققون ويبقى الجدار، قد تنتقل من زنزانة إلي أخرى فترى الجدار، وقد تنتقل من حالة إلى أخرى والجدار جدار، إلى حد يخيل لك فيه أن الجدار هذا جزءًا منك فهو أشبه ما يكون رأسك أو ذراعك أو ساقك أو حتى قلبك النابض بالألم والخوف والظلمات،  جدار يكبر من كل الجهات، ويتعالى على كل بيارق الأمل، ويلتهم كل حلم في الحرية...

   وفيما الهجوم يزداد والذات تتبعثر بين صمود وانهيار وإقدام وتراجع، وضعف وقوة، ومع كل ساعة تحقيق، وليله سهرٌ بلا نوم، مع كل إضافة لحرمان، أو طَرقٍ على باب نجاة تزداد الأمور تعقيداً وتداخلاً، وتتشابك القدرات، فلا تستطيع عندها أن تحدد أو تقرر. ومن أقرب لحظة للسقوط أو الانهيار تسعفك إرادتك بحبال من نجاة، وتبعث الهمم فيك من بين حطامك، وتسكبها في قالب ثباتك، وترفعك من قعر البئر القبر إلى فسحة من أمل تنبعث من مكان ما في داخلك، فتستعيد معنىً كاد أن يُفقدَ من قيمتك كإنسان مؤمن بعدالة قضيته، وتسري دفئًا في جمود استعدادك، فترفع رأسك وتبصر بعينيك أن الواقف أمامك قاتل حاقد، فترفض عروضه وتتحدى شروطه، وتفلت من أسر الأسر لتدخل في ملكوت ذاتك السابحة في فضاءات حريتها تحث خطى أرجلها فلا تستطيع الوصول، فتسعى لتحلق بأجنحة من نور،فترتقي صعودًا، وتزداد صفاءً، فترى الأمور بتجلياتها، وعلى حقيقتها فتقوّي عزيمة الذات بفعل إسعاف الإرادة، وتلملم جراحها وتضمدها فينقضي يوم ما من أصعب أيام العمر، فلا تعود الأذنان إلا مصدّات تقي النفس من وسوسات ذاتها، لدرجة يتحول المحقق بجبروته عندها إلى وسيلة إمتاع لا تختلف عن مذياعٍ، أو لعبة نقضي بها أوقاتنا المكبّلة، وساعاتنا المعطلة، ودقائقنا المشلولة، وثوانينا الامتناهية، إلى أن ينتصر الأسير على جلاديه.وإذا ما قُدّر له لحظة استراحة يقضيها في زنزانته الصغيرة الضيقة يلتهم خلالها وجبة فقيرة من طعام خالية من أي محتوًى، أو لحظة أخرى في مرحاض وسخ نتن لقضاء الحاجة، ما إن يعيش لحظة الإفلات هذه حتى يبدأ بشحن ذاته ونفسه،وترتيب أفكاره، واستخدام سلاح الإرادة مؤنسًا لوحدته ووحشته، ومانعًا لتراجعه وانهياره، ومبددًا لمخاوفه وهواجسه، ومعينًا له في شدته ومحنته!!                      

**************************   

 ( الحلقة الثانية )

محقق يطرق بواباتك

   الإرادة الآن هي طوق احتياطي للنجاة، مظلة هبوط من حطام طائرة في منطقة جبلية وعرة صعبة التضاريس، نَفََسٌ يسعف غريقًا في لحظة هي أقرب ما تكون للموت منها إلى الحياة، وكلما كان زاد الإرادة غنيًّا كان تأثيرها أكبر في وسطها المدَمر والمنهار . ذاتٌ تبحث عن خلاصها، ونفِْس تأمر حاملها بالنجاة بأي ثمن، وعقلٌ حائرٌ خائرُ القوى مسلوب القدرات من هول الصدمةِ، ووقعِ صدى كلمات المحققين في تلافيفه المفتوحة على الهاوية.

    ومحققون بلا كلل أو ملل، وبكل قدرات علم النفس، وتجارب الانتصار ينقضّون عليك، فلا تكاد ترتاح، حوارٌ مفتوحٌ هدفٌه إقناعك بأن لا جدوى من الثبات ، أو الإنكار، وأن التفاهم هو ما قد ينفعك، وأن كل من هم قبلك هنا أو معك قد أنهوا التحقيق، واعترفوا، ونزلوا إلى غرف السجن حيث كل شيء ، وحيث هناك أسرى منذ ربع قرن أو أكثر.

    هجوم مسلح بالوعي والمعرفة والتجربة والخبرة، وتناغمٌ يحفظ مساحة النغمات، فلا تخل واحدة بأخرى، ولا تطغى واحدة على غيرها، حوار يجعل الحيرة، هي سمة العقل السائدة، ويغزو معه المحققون بكلماتهم دفاعات النفس، ويحرقون أسوار الذات، ويدخلون بوابات الوجدان، فيعيثون فيها الفساد.

    وتضغطك بعنف مدمر إيحاءات المحقق، وظلال لمفردات تقرع رأسك، أقلّها "الحرمان والتواصل والأهل والوطن والناس والسجن والصمود والاعتراف والتفاهم"..  كلمات يجدل بها المحققون حبل مشنقتك، فلا تعود ترى سوى أعوادِ مشانق معلقة في كل أرجاء هذا المكان الذي أنت فيه الآن"، غرفة التحقيق الصمّاء الجرداء إلا ّمن مكتبين وكرسي وجهاز"كمبيوتر" رَصَدَ كل حركاتك،  وسجّلَ كل انفعالاتك منذ لحظة ميلاد الوطن وطنية فيك، وأصفاد تكبلك بالكرسي وتكبل الكرسي بالأرض، تحاول الاحتماء من برد الموقف بحركة تبعث فيك حرارة ما، إلاّ أنك تصطدم بقيد يجمدك ، ويجعلك جزءً مكملاً للكرسي، يداك ورجلاك مربوطتان، فيذكرك الحال  هنا بحمار جدك، أو كلب جارك، أو عنزة ربطها صاحبها في رحلة موتها من بيت إلى مسلخ، ويساعدك لسان المحقق على رسم كل الصور الفنية وبإبداع، يريك بوضعه حقيقتك الظاهرة الآن، مظهركَ المادي المجرد، فتتراجع أكثر، وترى خوفك يتشكل أمامك بأشكال هلامية متغيرة الأبعاد، موشحة بالسواد، تخرج من كل ذرة كونّت هذا الجدار، كما شاشة التلفاز تحمل ذرات صورة مبعثرة.

    إنه جدارك الآن وحدك، ولأنك بعيد عن كل ما له علاقة بالأخبار والمعارف والأحداث، لأنك ميت في قبرك، قد انفض الناس من حولك إلاّ المحققون يتهامسون، ويتغامزون، وينسجون من تاريخ حقدهم كل الحكايا ليعرضوه أمام أذنيك حقائق لا تستطيع مهما أوتيت من قوة المنطق والعقل أن تكذبها، أسماء وأحداث وتهديدات بلا نهايات من اعتقال المجموعة، حتى اعتقال أمك أو أختك، ومن هدم منزلك، حتى استشهاد أحد أفراد أسرتك.

    مشهد مُخرَجٌ بشكل يفوق ما تستطيع كل "استوديوهات" الفن عبر العالم أن تأتي بصورة مثله، فهذا المشهد واقع معلوم، محسوس، معاش، تعيشه بعمر أيامك وأحاسيسك وأحلامك ويقظتك، وكوابيس نومك ولياليك، ليال تَجْمُدُ في أزمنتها، فلا حياة .

     


( الحلقة الثالثة )

زمن يتباطأ

   ثلاجة هي الحياة هنا الآن، وليلك قطعة جامدة فيها، بلا حراك، ولا يمكن لأيٍ كانَ أن يرصد حقيقة الزمن من حيث الطولُ والبطء والضيق والاتساع مثلما يفعل الأسير في أقبية التحقيق وقبوره، هنا الثانية لها بعدها الممتد في الزمن، تشعر بوقعها عليك بشكل يماثل عالِم الأحياء أمام مجهره، حيث يرى الجراثيم التي لم تكن تُرى من قبل، أكبرَ من كثير من الأشياء الأخرى ، تشابه يصل حد التطابق ، فالثانية والجراثيم عناصر مختبرك الجديد...  ومهما كانت قدراتك في الخروج من أسر الزمن فإن الثانية َ وتتوسع وتمتد لدرجة أنك تسير فيها، وتبحر فيها، وتتقلى في نار جحيمها وجعاً متواصلاً ينبض بالألم العميق مع كل " تكّة"  منها، ثوان تمقتك، ولمّا أن تملّ منك تلقيك بعنفها الذي لم تعهده يومًا في مستنقع دقائقها، لتعيش الغرق بتخبطاته واضطراباته، دقائق باسقة مثل وحوش غابات الأساطير تطل عليك من رحم المكان، حيثما وليت وجهك الحاد القسمات، ومعقد التراكيب الحزين.

    الدقيقة هنا مشهد حياة متكامل سجَّلتَه ذات يوم لحريق شب في محتويات تعزّ عليك، وعدت تعرضه ببطء على جهاز عرضك الخاص بك، كل دقيقة هنا هي عمرٌ الآن، وكل دقيقة تجربة متكاملة، ولو قدّر لك أن ترصد وقائعها، أو أن تكتب حيثياتها، لأصبحتَ بحاجة - وبدون مبالغة-  إلى مجلد، وتختلف الدقيقة عن الأخرى حسب وقت الاستجواب.. قد تمر بطيئة وقاسية ومرهقة في لحظة ما، أما عندما تصبح الحرب قائمة بينك وبين ساعتك البيولوجية بعد منتصف الليل، قبيل الصبح مثلا فإن الدقيقة بلا قرار.. تستذكر من خلالها ظلمة الجب الذي انتظر فيه يوسف عليه السلام المارة حتى يصطادوه، صيدًا سمينًا بلا أثمان...صمت هو قبر يوسف الممدود في باطن الأرض، والمحفور في خاصرة الزمن، والمعلق بين مكانين يتباعدان بسرعة الضوء! كم مرة مات يوسف ما بين غدر الأخوة، وخيانة الحسد، وحقارة الغيرة، حتى لحظة تعلقه بحبل النجاة شربة ماء ساقها إليه القدر.

    أنت الآن عالق في حفرة الدقيقة الممتدة على طول المدى، حفرة مظلمة في الزمن..والمحققون أخوة يوسف يتضاحكون من مناجاتك وتوسلاتك وصرخاتك البريئة المعذبة، يضحكون ويمضون فيما أنت تعاني وحدك من وحدتك رغم إحاطة كل أحقاد الشعوب بك... وحيدًا صامتًا.. واقفاً بخشوع أمام الحوار الذي يعتمل بصدًى رهيب في هذا الجسد المنهك الخراب... هذا البناء الشامخ بالأمس، والذي كان يجوب الحياة شرقًا وغربًا، يسلم ويضحك، يقود ويخطط، يداعب ويلاعب ، ها هو الآن كتلة فارغة من أي قدرة على الإزاحة، أومن أي ممارسة شبه حرة على الحراك في المكان... هذا الجسد الذي كان يشع حيوية ونشاطًا تحوّل الآن إلى فزّاعة تخيف صقورك أنت، جسد مسكون بالخراب تعيش فيه الأفاعي لتقتل كل برعم أمل قد ينضج في معركة البقاء الأخيرة، هذا الجسد الممدد وقوفًا وقعودًا في آن معًا على كرسي مثبت بأرضية الغرفة يخيفك كلما أمعنت النظر منه إليه،أو دخلت سيرًا فيه عليه... جَسَدُ من هذا ؟ ولماذا هو هنا ؟؟ وكلما كان الفاصل بين لحظتك هذه ولحظات التجوال في شوارع الحرية أكبر كان الوضع أصعب، وتحتاج النفس مهما امتهنت الاعتقال، أو أدمنت أيام التحقيق، وتمرست بمجابهة ليالي عذابه القاسيات تحتاج إلى وقت حتى تتقن فن الألم احتمالاً وقدراتٍ على النجاة، وحتى إذا ما  نزلت إلى السجن يومًا من التحقيق، وعدت إلى زنازينه، فإنك تحتاج إلى الشيء ذاته، التكيف مع حالات التحقيق، مهما كانت درجة صعوبتها أو سهولتها.

    دقائق متلاصقة متلاحقة متثاقلة تشكل جدارًا في زمن غير قابل للنفاد، فلا تشعر بشيء وقتئذ إلاّ بأن كل شيء ضدك: المكان بجموده، والزمان ببطئه، والشخوص بأحقادهم النازفة الممعنة بالكيد والأذى والاستخفاف بالإنسان.

***********************   

 

 (الحلقة الرابعة)  

سيمفونية السقوط  

    تنساب كلمات المحققين في إيقاع رتيب مثبِّط في أذنيك، ومثل شخص يمشي بين قطرات الماء دون أن يبتل تحاول أن تكون أنت الآن. إذ أن كل كلمة هنا لها وقعها ووزنها، وكل حركة لها دلالتها ومعناها، ففيما أنت تتثاءب من نعاس، يتناوب عليك المحققون واحدًا تلو الآخر، يأتيك واحدهم مشبعًا بالنوم ينضحُ من شدقيه الصحو، يتثاءب أمامك من أجل أن ينيمك من حيث لا تدري ليوقظك، فيعذبك مشبعًا قدرة فيه على السيطرة والتحكم؛ فتقلّد تثاؤبه بتثاؤب آخر، وتطلب عيناك النوم حثيثًا، فعندما تفتح بوابات نعاسك بأصابع أهدابك الحرير متسللاً على رؤوس أصابعك خفية، وفيما تفترش للنوم أرضيته الصلبة المعلقة بين قهرين مثل أرجوحه، ومن أقرب لحظة تماهي مع النعاس، يطاردك المحقق بصحوه بضربات، أو صرخات، أو حركات، أو ركلات، من كل الأنواع والأحجام؛  فيطير النوم من وسائد أجفانك إلى لا حيث، مثل سرب فزع من نائمات الطير على أغصان أمانها تحت جنح عتمة، فيتراجع النعاس هربًا ليكمن لك من جديد على عتبات صحوك.

     حركة متوترة مضطربة ساعاتك في آخر الليل المرير: صحو يطارده نعاس، ونعاس قُدَّ من نوم، ونوم محفوف بأرق وقلق وخصام، صحو وشرود، تململ من جديد إلى حد الضجر، أسئلة لا تنتهي تنبت من رحم العدم، تتسلل إلى حرمة المكان، تحنو عليه، وتأخذ بيده لتطيل من عمر الزمن المتبقي فيك، إلى حد لا تعود عنده ترى أن المحقق عدوك النازي، إذ تُشخِّص بموازينك الجديدة المقلوبة، ورؤيتك المترنحة المشوشة، وحدسك  المعطل العدو الجديد على أنه عدو آخر غير الذي تعيه بكل جوارحك ، عدوك الآن زمن، سهام ثوانيه ورماح دقائقه تدق الهدف الجديد جسدًا معلقًا بالسلاسل قيامًا وقعودًا على كرسي من أشلاء موتى، وبقايا كتل من عذاب وآهات.

   وما إن تَنْحَسِرْ في بقاياك المحطمة، في أعمق ركن فيك، حتى تقذفك الدقائق قيئًاً في وعاء، ذكرى لقيمات أنت الآن في هذه الحاوية الجديدة، الساعة، والتي كنت تتمنى أن لا تنقضي لأنها فرحتك الجميلة، وعمرك الفاني الآتي من بعيد على صهوة الموت يصهل فرحًا باستقبالك.. الآن  أنت بكل وعيك تستجديها، لكي تمضي فيك مسرعة إلى هناك حيث أي مكان آخر غير هذا المكان الذي تعيشه جحيمًا لا ينضب ، ودون أن تلتفت إلى حقيقة أنك تأكل عمرك بأسنان الندامة، وتفنيه رمادًا في أتون قهرك، رغم أنه في قاموس الزمن ثوان ودقائق وساعات لسنوات هي حياتك.

   المهم الآن، أن تتحرك عقارب الساعة المعلقة أمامك في الحائط النفسي المضطرب، والزاحف نحوك باندفاع بركان، هذه العقارب اللاسعة المميتة آه لو تمضي إلى هناك،  تومئ بإيحاءات قلبك المفروش على وجع ، حيث ميلاد نهار آخر. آه لو تنقضي حتى من عمري، ومن وقتي الموزع عذابًا وألمًا، هذه اللحظات الدهر، والملقاة جثة هامدة على كرسي تحقيق مكبل بأرض مبلطة وسخة من قطرات قهوة غربية، وأشلاء سجائر عصرتها شفتا بغي اتخذ شكل محقق دخيل لا يعرف في الدنيا غير الحقد والقتل البطيء. آهًا وما جدوى الآهات الآن ؟

    تفيق مرة أخرى من غفوة هي سكرة للروح في عيدها المفعم بالمجون أو الجنون، وتأخُذ نفسك لذاتك من يدها الطرية مثل غصن مفتون ببراعمه الجميلة التي تتفلى عليه مثل العصافير تزهو بريشها ، تستنشق روحك نسيم الإرادة المعطر، فتطرد النوم، وتدفع الخوف، وتتكئ على بقايا ردفيك المثقلين بالهموم، فتزيح جمود المكان عن مكانه مليمترات لا أكثر. تُغالب النوم المسدِل ستائر عينيك، تستجمع قواك؛  فتجري فيك رعشةٌ تخرجك من هذا الوعاء الذي كنت فيه مسلوب الإرادة ،  رعشةٌ تحرك فيك الرجولة والعزيمة معًا، رعشة تسكن الشجاعة قلبك، تسكبها طعم علقم لكنك تستطيبها، وتلعق ما فيها من عسل على مرارتها لأنها في ميزان القيم، شجاعة تعينك على مواجهة جلاديك قاتلي الحياة والأمل فيك.

   تتسارع عقارب الساعات رغمًا عنها، فيغدو حوارك وقودك للزمن الآتي، وعنادك مادته المحركة التي لا تفنى، والذي قد يغنيك عن أي تراجع أو انهيار. عناد يستمد من إرادة الوعي في ضميرك صبره وشجاعته وقدرته على التحدي صمودًا في أعتى الظروف، وأشدها قسوة وإثارةً لكل ما قد يعتمل في النفس من هواجس ومخاوف وظنون وشجون.

   وإذا كان العناد عادة أقرب للنقيصة والسوء منه لأي شيء آخر، ويًخضع للجدل في نتائجه، فإنه هنا واحد من أهم دعامات الانتصار ومقوماته،واحدًا من أنبل القيم وأسماها، لأنه النجاة مما أعده رجال المخابرات من شراك خادعة، وغارات مفاجئة، وجولات قاتلة تستهدف هزك من الأعماق، للانقضاض على خوارك وعجزك المعشش في دواخلك السحيقة، والذي بدأ يطفو على سطح نفسك.

لا ..

    ينمو العناد ويكبر، لتدب الحياة من جديد في جسد متهاو ذابل، فينتفض على واقعه المزري، وخوائه المتسارع في الفراغ اللامتناهي، عندها فقط تستجمع أنت الأسير المصادر رهنًا لتحقيق لا رحمة فيه: تحشد كل صور التاريخ في القدرة على الصمود والتحدي، وتستعرض كل سير الأبطال؛ فتستولد البطولة من رحم الخنوع باسطًا ذراعيه لك بالوصيد، ومن حيث كل حيث، لكنها البطولة، تستوقفك بإلحاح تجاربك السابقة، وصمودك الأسطوري، وتحديك وعنادك وإصرارك على مواجهة جلاديك، وعلى ذات المقعد، وفي ذات المشهد، مما يجعل ساعاتك وردًا، فتستهجن الأمر أولاً لكنك تألفه بعد ذلك؛ فتتسلح بالثبات، وتقضي ساعات أخرى من نهار آخر، أو ليل آخر ساعاته هجرته بعيدًا إلى دنيا أخرى، وعالم آخر، لعدم قدرتها على الاحتمال، تتراكم معاناتها، وتتدافع صورها، فيطول نهارها ويجمد ليلها، فتصير أنت محور الكون، الشمس والقمر والنجوم والمحققون يدورون من حولك في أفلاك متداخلة متنازعة متسارعة، فيما أنت الثابت الوحيد مثلما جدران هذه الزنزانة في هذا الموقف العظيم ثابتة.

    تتقاذفك أمواج عاتية في كل حين هنا، بحر أطل عليك فجأة بأجنحة موج عاتية لفتك، وحلقت بك في قرار سحيق، هاوية وأعدت الجحيم عند تلاقي حدود القهر بالعذاب، إلى أن ترسو ذات مساء في ميناء سبت مسكون بالصمت، حيث تكون الدورة قد اكتملت، وآذنت بميلاد مرحلة جديدة بحكم جدلية منطق الأشياء، وتدفق صيرورتها، وفيما أنت تتدبر أمرك يلتقط دماغك المرن والمتحرك في آن فكرة تعينك على الصمود: صبيحةُ الأحد اعتقال جديد. وتطمع في أن تزيد، لتكن إذن صبيحة كل يوم هي بمنزلة اعتقال جديد حتى لو تواصل هذا اليوم مع أيام أخر. فكرة عابرة تلتقطها من وحي تجربتك الموغلة في العذاب،والضالعة في استخلاص العبر، سرعان ما تحيلها إلى قرار تتسلح به ليحميك ويعينك على صمود تراءى لك من وراء أفق بعيد.

    تنجح وقتئذ في تجزئة الزمن، وتحليل عناصره، وتفصيل مكوناته، لدرجة تستطيع معها أن تعيد صياغته بما يتماشى ويتوافق مع حالتك المعنوية والنفسية والجسدية الراهنة، وبما يخدم محيطك المادي المتداخل التعقيد، والمركب على شفير الهاوية مما يجعل اللحظات دهرًا. فيصبح الزمن طيّعًا بين يديك تحركه تبعًا لمصالحك بدلاً من أن يظل خصمًا يحاصرك فيعذبك .

   التحقيق فترة عصيبة من عمر الإنسان المناضل، معركة حقيقية، ساحة قتال محتدم ،ومكثف على مدار الثواني والدقائق والساعات لا تتوقف في ليل أو نهار، وحدودها متداخلة قد تغطي مساحة الأسبوع ليتواصل مع أسابيع أُخَر.

    تحتاج  كأسير إلى استعداد نفسي أكبر من المتوقع،  ولإعداد جسدي فوق العادة، إلى حد تمتزج فيه الفكرة بالوعي، وتنسجم الإرادة بالتحدي.  قد لا تحتدم معركة التحقيق بأدواتها كما كان الأمر في الأيام الأولى، بل تنفتح على إمكانية تمديد لفترة التوقيف والتحقيق وفي ذات الظروف وأكثر،  وما أسهل ذلك أمام مزاجية جلاد سادي اعتنق القمع مذهبًا ودينًا، وراح يتلذذ مع كل وقفة عذاب للأسير، عله يشبع حقد سنيّه تزحف فيه نحوه، فيصدها فينا صورًا من عذاب ملقاة في متحف جنونه القديم الآتي بكل شهوة الإنسان على الإخضاع والانتقام وإحكام السيطرة والأخذ بدون وجه حق.

     بيد أنّ علِْمَ الأسير في موضع أبعد نقطة من زمن التحقيق، يعينه بشكل كبير على تجاوز المرحلة بكل تحدياتها، وإن بدا أن الوقت قابل للتمدد والتوسع حتى أشهر أخرى، أو إلى ما لا نهاية، إلا أن هناك نقطة ما يتكئ عليها الأسير المشبع بالحيرة، والمثخن بالترقب، ليبني عليها بشعاع نور تسرب إلى قلبه واحة من يقين وأمل.

**************************
                                     
   (الحلقة الخامسة)

عبقرية الصمود

 استراتيجية جديدة يبلورها الأسير المعتقل رهن التحقيق مع الأيام، ويطورها سرًا في جنين عتمة ليلٍ حبلى بالآهات وجعًا مرسومًا تقاسيم على وجه زمن لا يتوقف عند حد، فيخرجها صمودًا من سهرٍ وجهدٍ وعرقٍ ودموعٍ وتعب. وينجح طالما ظل متصالحًْا مع ذاته، ومؤمنًا بحتمية الانتصار، انتصاره هو وحده على كل شيء في هذه المعركة غير المتكافئة الأطراف والأدوات.

    مع مرور الأيام وتباعدها عن لحظة البداية تهون الصعاب عليك، وتختزل الآلام آلامها حتى لتوشك أن تتلاشى، وتتبدى لحظات النصر المشرقة من كهوف الظلام السحيقة، مثل حورية في عرض البحر لصياد لوعته شمس الظهيرة، فوطنت في قبضتيه مجاديف النجاة صيدًا وفيرًا.  

   التحقيق صراعٌ بين إرادتين، إرادة النصر كامنة في وجدان الأسير ووعيه، وإرادة الهزيمة متجسدة بكل وضوح في أدوات وإمكانيات طاقم التحقيق وقدرته على جمع المعلومة، وكيفية استخدامها، وتوظيفها، ومواظبتها على عملية التحقيق من فرض لحالة يقظة، وحرمان دائم من نوم، وتواصل لهجوم، وهز لقناعات، وزرع ليأس، واستنبات لخنوع، وقدرة عبقرية على قطفٍ لثمار انهيار متأتي من واقع هكذا ظروف.

   إرادة الحياة بعز وكرامة ملجأ ومطلب يظل ينشده الأسير طوال فترة الاستنطاق عنوة، يقابلها إمعان خارجي واستجابة داخلية على تراخي الإرادة وتراجعها وإخضاعها إلى شروط ما كانت لتقبل لولا انهيار هو انكسار ما في حقيقته أودى بكل شيء جميل مرة واحده.

   للإيمان دور في التحقيق لا يوصف، وفي مثل هذه الأجواء المطمورة باليأس تحديدًا، لأنه الأمل ذو الدور الرئيس في خلق مناخان الصمود، فلا يكون عندها سوى النصر حليفًا للأسير، مهما حلكت لياليه، وازدادت ساعاته وطأة وقسوة وتباطؤ، واستعرت أدواته جحيمًا مدمرًا جدران ذاته مذيبًا غلافها النفسي مفجرًا شهوتها الجامحة، دافعا بها نحو سطوة فكرة خلاصة الفردي استسلاما مذلاً مهين، إذ لولا الإيمان لاستحال النصر، ولانعدم الصمود، ولتراجعت البطولة.  

   إن معركة التحقيق لا تماثلها أية معركة أخرى في الشروط والظروف والمعايير، والنصر أبدًا حليف الإرادة المجبولة بالإيمان، ووليد القدرة على الاحتمال بلا حدود، فالاحتمال ميّزة يتصف به المؤمنون بعدالة قضاياهم أيًا كانت، وإن بتفاوت كبير بين إنسان وإنسان.

   ومع كل لحظة ضعف تنتاب الأسير، تتوارى قدراته على الاحتمال خلف أفقٍ من يأسٍ في بحرٍ تلاطمت أمواجه شهوة عناقٍ مسعورٍ مع الهزيمة، وتبرز النفس عارية على حقيقتها، إذ لا مفرّ أو منجى أمامها سوى الصمود، والقدرة على الاحتمال، والتكيف مع ظروف المعركة المفروضة عليها، كنتاج عملي لممارسة الإيمان بالوطن عملاً بطوليًا وطنيًا ثوريًا عنيفًا ضد المحتلين وأدواتهم ومظاهر وجودهم وشروطهم.

**************************
 
   (الحلقة السادسة)

صمود .. لكن

   وفي هذه الانتفاضة، بصفتها واحدة من محطات شعبنا الجهادية المتعددة, برزت ظاهرتان على مدار  هذه التجربة البطولية الشعبية الفذة، وتحديدا الاعتقال، وكلا الظاهرتين تشيران إلى تراجع في الوعي والمسئولية والالتزام، وتدللان على أننا دون أدنى شك شعب لا يتعلم من أخطائه، ولا يستفيد من تجاربه، ولا يراكم إرثا نضاليًا كحصيلة لنتاج دروسه التي مارسها عبر سنوات كفاحه ومقاومته.

- الظاهرة الأولى :انعدام قيمة الصمود وتراجعها لدى الأسرى في التحقيق إلى حد مقلق، أمام هذا الكم الهائل من الاعترافات بلا تردد أو توقف.

- الظاهرة الثانية: الاعتراف اليومي من قبل الأسرى وبشكل غير مسبوق في تاريخ الصراع مع "الشين بيت" أو "الشاباك"، في داخل ما بات يعرف ب "غرف العار"، على أيدي بعض ممن تساقط من المقاومين والمواطنين العاديين على هامش الصراع مع الأعداء ممن ارتضي لنفسه أن يعمل ذليلاً في مهنة الخيانة ضد شعبه باحتراف، مقابل امتيازات تافهة، بلا تأنيب من  ضمير أو رادع من أخلاق أو حتى أدنى شعور بانتماء لوطن وشعب وقضيه.

    والاعتراف كظاهرة, رافق الاعتقال من يومه الأول في هذه الانتفاضة. و"غرف العار" أو كما تعرف بالمصطلح الشعبي ب" غرف العصافير" لعبت دوراً خطيراً في نزع الاعترافات من اشد المناضلين قوة وأكثرهم عطاء وتضحية وفداء وأقدرهم على التحمل والصمود في زنازين التحقيق على أيدي جلادي "الشاباك"، بالخداع والألاعيب وبطرق شتى من حيث القدرة على الإخراج، بأن الواقع الذي نقل إليه الأسير من زنازين تحقيق تعج بالصمت والموت والقمع والاضطهاد،  إلى غرف فيها أسرى يعيشون مجتمعا مثاليا بتضامن وتكافل مميزَين، ويخضعون لمعايير لم تعد تتوافر حتى في غرف الوطنيين الشرفاء من حيث الانضباط والالتزام والانصياع لمفهوم الجماعة والقدرة على ممارسة الطاعة.

    إنهم خونة يمثلّون دوراً هوليودياً ناجحاً، وبما يوحي أن المكان الذي نقل إليه الأسير هو السجن حيث الأسرى الشرفاء يقضون زهرة شبابهم هناك، فهؤلاء الخونة يُصلّون جماعة، ويأكلون معا، ينامون ويستيقظون ويتهامسون ويتدارسون وبما يعيد الصورة المشرقة للسجون والحركة الأسيرة المتهالكة والمتراجعة الآن في واقعها التنظيمي السليم، وهي ذات ألصوره التي علقت في العقل والذهنية الجماعية لشعبنا عن الأسرى والسجون.

   إن غرف العار وما يجري فيها من نزع للاعترافات بكل سهولة ويسر ودونما أدنى عناء هي خدعه يتعاون عليها رجال المخابرات والشرطة والخونة الماجورين.

    وأدهى من ذلك وأَمَرّ أن أحدا ً لم يتناول هذه الظاهرة علناً للتحذير منها منذ اندلاع انتفاضة الأقصى وحتى ما بعد اللحظة،  وأقصد هنا المؤسسة الرسمية الممثلة بوسائل الإعلام والتي كانت قادرة بتكاملها المرئي والمسموع والمقروء على الوصول إلى كل بيت، وبالتالي طرحها كظاهرة يمكن تلافي نتائجها وتعطيل جدواها وإفشاء إسرارها، والتعريف بآليات العمل فيها ومواجهتها وافشالها بالكامل ، أي حرقها أمام الأجيال بالوعي والمعرفة والصمود.

    صمتنا جميعاً: سجناء وأسرى ومعتقلين قدامى خاضوا التجربة بحذافيرها، ومؤسسات حقوقية إنسانية، وبعضها متخصص في كل شؤون الأسرى سوى التثقيف والتوعية وفضح الظاهرة التي سلبت من شبابنا أعمارهم مؤبدات لسنوات أعمارهم المتبقية عذابا في سجون لا تعترف بحقوق أو حريات، ومنها مؤسسات كبرى وذات إمكانيات بلا حدود وموظفين بلا مهمات أو مسؤوليات أو واجبات،ومؤسسات رسمية مثل وزارة شؤون الأسرى.

    قد يقول بعضنا بأن هذه الظاهرة رافقت التحقيق منذ أواخر السبعينات، والبعض الآخر يقول قبل ذلك أو بعده، وبأن شعبنا يعرف تفصيلات الموضوع، وبأن هناك دراسات وقصصاً نشرت حول هذا الأمر "الأفعى" عن قصة خيانة ناصر أبو الحج ويوسف أبو عيشة، وكراس "الضحية تعترف" عن قصة خيانة مازن الفحماوي، إضافة إلى عشرات البيانات والتعاميم والنشرات التي تناولت ظاهرة الخيانة وغرف العار.

    نعم قد تكون هذه الكتابات خدمت على نحو ما أهداف التعريف بالظاهرة، وإن أثارت في حينه مثل "الضحية تعترف" حالة فزع وإرباك عام إلا أنها حققت جزءاً كبيراً من أهدافها، وأحاطت الظاهرة الخيانية بحالة من الرعب والخوف لكنها اقترنت بالحيطة والحذر، وانتشر وعي جماعي تجاه عدم الحديث في أي موضوع أمني لم يتم الاعتراف عليه عند رجال "الشاباك" في أقبية التحقيق، وباتت هذه التحويطة على صغر كلماتها مفهوماً شكلَ سياجاً حامياً لكل أولئك الأسرى الذين رُسم لهم الفخ باوضح صوره وأكثرها إتقاناً، وجرى إنقاذ العشرات بل المئات على مدار سنيّ الاعتقال والتحقيق. 

**************************
                                                                                               
   (الحلقة السابعة)   

غرف العار؟

    الآن, هذه الظاهرة لم يتم تعريف شباب "عصر ثقافة أوسلو" بها, وفاجأتنا جميعاً هذه الانتفاضة بما رافقها من حملات اعتقال طالت العشرات فالمئات فالآلاف في أشهر معدودة, وتوالت الانهيارات فمن صمد في التحقيق اعترف في غرف العار بحجة عدم المعرفة, وانطلاء الحيلة, والاستجابة لضغط الخونة في القسم أو الغرفة. والمبادرة من قبلهم بتوجيه اتهام استباقي للأسير الشريف والصامد بأنه خائن, ودفعه للدفاع عن نفسه بكل الطرق وبالتالي اعترافه أو ادعائه بأنه فدائي مقاتل نفذ عدة عمليات ومجموعة هجمات ونظم وسلح وراقب. أو من خلال ضرورة حماية المجموعات وفتح طريق الخلاص لهم، وبالتالي القيام بإبلاغهم عن أخبار المجموعات والعمليات والأسلحة وحجم الاعترافات إن وجدت.

   وبغض النظر عن مسوغات الاعتراف الواهية والكاذبة غالباً، وعن استخدام غرف العار كمسوغ للاعتراف أمام رجال التحقيق, فإن حملة وعيٍ كان بالإمكان اتخاذ شعار واحد لها إذا ما أردنا ثورة تُراكم وتصمد، ومجموعات تستمر، واعترافات تقلل من حجم الأحكام العالية الجائرة المقلق، والذي غاب عنها الصمود بأبسط صورها، وبات حكم المؤبد "موضة" عصرية يرغب فيها من يرغب كي يظهر أنه بطل أو قائد أو ثائر. ولو عرف هذا البطل أن "الصمود هو الشكل الأرقى للبطولة" لَحَدَّ من اعترافاته المبالغ فيها أو الكاذبة بالمطلق، أو لحدَّ من انهياره في غرف العار كي يخلص من مجرد فكرة قهر العودة الى زنازين التحقيق والاستنطاق والجوع والعذاب والسهر والبرد والخوف.

    نعم هناك أخوة شرفاء، وأبطال عرفوا أنهم في أجواء مشبوهة وميزوا أن هذه الغرف هي غرف عار, لكنهم خدعوا أنفسهم وآخرين معهم، واعترفوا بكل ما لديهم لأنهم كانوا يريدون الخلاص ... خلاصاً ينهي ثوان بطيئة، وساعات وئيدة، وليال لا تكاد تنقضي فيما بشراهة تقضم العمر عمرا من أعمارهم.

   إنها ظاهرة مؤسفة من حيث وجودها، ومؤسفة من حيث عدم التعريف بها بشكل يتماشى مع حجم الآلة الإعلامية التي يمتلكها شعبنا في ظل هذه الانتفاضة من "تلفزيون رسمي" "واذاعه رسميه" وتلفزيونات واذاعات خاصة، وإعلام متنوع، وعدد كبير من النشرات والصحف والمجلات والمواقع الالكترونية.

    إلا إذا كان الحديث عن ظاهرة الخيانة وغرف العار والتحقيق والإسقاط يحاسب عليه الاحتلال ويجازي وفقا لنصوص واشتراطات "اتفاقية أوسلو"؟ فمن غفل له حسنه ومن تحدث وقع عليه القول. 

    نحن شعب يُِصرٌّ على عدم تطوير قدراته وإمكانياته وظروفه النضالية,  شعب متواكل يلقي فيه كل منا المسئولية على غيره والآخرين. وحين نفيق أمام صدمة ما مزلزلة, يكون الوقت قد فات، فلا نجد من يتحمل مسؤولية الخطأ أو الجرم والفشل, ويبقى الأمر معلقاً على ضميرٍ أو وجدانٍ مبنيًّ للمجهول تقديره هو... ... .

لماذا نعترف ؟

   وعودة إلى بدء, فقد بات الاعتراف أمام المحقق بلا حدود، وانعدم الصمود كقيمة من قاموسنا الثوري وتقاليدنا النضالية, وحل الاعتراف مكانه ليصبح مع الأيام السمة السائدة والمميزة, فيما بات الصمود نُدرة نتغنى بها كلما عثرنا على صامد هنا أو تدعثرنا بآخر هناك, في الوقت الذي شهد فيه التحقيق الإسرائيلي إجراءات مُقيّدةً لقمعه الجسدي السابق, وتخفًيفا من استخدام العنف المبالغ فيه، واختصار التحقيق على الجوانب النفسية، أو لنقل زيادة في تركيز التحقيق على الجوانب النفسية, مع بقاء باب العنف مفتوح بقرار استثنائي يسهل الحصول عليه من خلال جهات "قضائية عسكرية عليا", إلا أن التحقيق الآن في مسالخ "الشاباك" - والحق يقال -  إذا ما جاز لنا مقارنته مع التحقيق السابق قبل هذه الإجراءات المقيّدة صار شيئاً مختلفاً, كان التحقيق مسلخا نازيا:  الجسد فيه هو المستهدف الأساسي.

    إيلام الجسد من اجل إخضاع الإرادة. التهديد كان قولاً وفعلاً, بل فعلٌ يسبق أي قول, شبح وضرب, تعذيب متواصل فيه يتناوب عليك أكثر من محقق ولأيام لا فصل بين أيامها، استخدام للماء البارد، ولكل عوامل الخوف والتهديد المباشر للحياة, تعريه في أجواء باردة جدا , عنف متنوع يطال كل مواقع الألم في جسد منهار منهك متهالك, المفاصل، الأجهزة التناسلية, أسفل الظهر، البطن، الصدر، الرأس, الأذنان, الشوارب والحواجب والسوالف تنتزع بلهو وصراخ, قيود تدمي الأيدي والأرجل من شدة شدها، استخدام لكل الأساليب النفسية المعمول بها الآن وأكثر، ومع هذا كان للثبات كل المعاني والقيم؟ كان الصمود قيمه يحملها المناضل عقيدة وإيمان في صدره وضميره ووجدانه يرتحل فيها شامخا في دنيا العذاب؟ فيما صار الاعتراف فعلاً مشينا مؤرقاً ومخجلاً ومقلقاً؟ وكانت الندرة أن تسمع بأن فلاناً اعترف؟ وتحديدا على آخرين ممن كانوا معه ؟ كنت تجد في غرفتك أو قسمك أو سجنك القابع فيه عشرات ممن لا اعتراف لديهم؟

   ما الذي غيرنا إلى هذا الحد؟ ولماذا؟ من المسئول عن كل مل يلحق بنا من دمار وضياع وتردي؟ هل نتطور إلى الخلف؟! أم هل نتراجع بخطى حثيثة وفي كل المجالات إلى وراء وكأن لا أمام أمامنا ؟ 

"  ثقافة أوسلو" هدمت هياكلنا الشامخة, ودمرت منظومة قيمنا السامية التي كنا نعتز بها ونفتخر. " ثقافة أوسلو" باختصار أفسدتنا , أفقرتنا مادياً واجتماعياً, افرغتنا وطنيا وسياسيا , وقدمت للأعداء ما لم يحلموا به يوما.   

   لا أريد أن أخفف من عسف وقسوة التحقيق وشدته، أو من عذابات لحظاته المتوالدة في رحم كل ثانية من ثوانيه الواسعة قهر وخوف وترقب وتوتر وارتباك. تساؤلات بلا توقف تتدافع, تنبع من مجهول لتقود إلى مجاهيل, إلا أنه ومع كل ذلك ومقارنة مع سنوات ما قبل القانون الجديد ليس بتحقيق عنيف؟  نعم يعتمد على أساليب جهنمية في علم النفس لإخضاع النفس، ويفتح حوارات لانهاية لها ومتداخلة مع الذات، محرضاً إياها من أجل إقناع الإرادة بإعلان استسلام يحفظ "مية الوجه "والخلاص والبحث عن صفقة ما تنهي التحقيق بظروفه القاهرة، ووضع حد للاستجواب وشروطه المعقدة القاسية.

    كل هذا يجري حثيثا،ً ويلامس حدود الإرادة، بل ويغزوها بوسواس نفس حائرة. وعندما ينجح المحقق في إجبار الأسير المحقَّق معه على فتح حوار بين ذاته المتراجعة ونفسه المتمردة, تصبح الإرادة هي الهدف الذي سيعبر المحقق من خلاله لنزع الاعتراف، أو إعلان الهدنة، وبالتالي الاستسلام غير المشروط إلا لشروط المحقق، والذي تبدت على وجهه علامات الانتصار, انتصار مجاني وبثمن بخس. والمنهزم هنا هو رمز من رموز العمل الفدائي والبطولي. هو من كان بالأمس القريب وطنيا ً ثورياً مفعماً بالنصر والأمل.  لكنه الآن وبعد كل ما فعل من أعمال ترفع الرؤوس,  ورغم ما عانى هو وأهله وكل محيطه من ملاحقة ومطاردة, معترف مهزوز؟

    لكن ما الذي يدفع المناضل الصلب المؤمن بعدالة قضيته, هذا الإيمان الذي أكسبه استعداداً طافحا بالعطاءً عنيفاً بالتضحية ممزوجا بالبطولة مجبولا بالفداء. ما الذي يدفع هذا الثائر المتمرد العنيد للاعتراف؟! للانكسار عند لحظة ما ؟! للتراجع والانهيار فالانهزام ؟! خاصة أن كثيراً من الرموز والأبطال هم من الذين خاضوا غمار التجربة ذاتها وفي ظروف تفوق هذه الظروف قساوةً وعذاباً وعنفاً وصعوبة.

   وكثير من هؤلاء كان قد "صمد" سابقاً في واحدة من جولاته، أو محطات نضاله ألاعتقالي  ! ما الذي يدفعه إلى مثل هذا المصير؟! إلاجابة بلا شك تحتاج إلى دراسة موضوعية تعتمد على مكونات الصمود، ومقومات النصر، وسبر في طبيعة الذات الإنسانية والنفس البشرية. ولكنّني شخصيا أَعزو هذا التسارع في الانهيار إلى تداعيات "ثقافة أوسلو", وحالة اللامبالاة، وغياب التراكم الذي اعترى تجربة العمل الثوري الفلسطيني ورافق خطانا منذ بدايات تشكل الوعي الثوري في مطلع القرن الماضي.

    تجربة تبدأ بمبادرة فرد واحد, فأفراد ومجموعات تكبر وتنمو وتتسع موجاتها, ثم تتلاشى فجأة كموجة لفظت أنفاسها على صدر شاطئها الأخير.

   تبدأ موجة جديدة, تجربة أخرى بذات الشروط والأطوار, تبدأ لتنتهي بلا دروس أو عبر أو تراكم في الخبرات.  حتى في ظل الثورة المعاصرة  لم تختلف الأسس ولم تتغير النتائج ولم تتطور الأساليب، ولم يستفد أحد من كل المآثر البطولية أو المآسي المرتجلة, وكأنّ هناك حلقة مفرغة مقدّر علينا أن نلعب لعبتنا بدونها, أو نكرر تجاربنا بعيداً عنها , وهي مفقودة في كل الثورات والانتفاضات التي أبدعها شعبنا من لحمه ودمه وصدق انتمائه، أو من تجارب لمجموعة أو فصيل أو تنظيمات, وحتى من الأفراد ، مفقودة لدى كل الفصائل والتنظيمات عبر تاريخنا الحديث وبلا استثناء!!

   لذا فإن المطلوب منا كشعب هو تغيير جذري في منهجية التفكير والتأطير والبناء والعمل في رحلة كفاحنا الطويل مع الأعداء.

    وعودة إلى أسباب الانهيار الفردي – الجماعي الذي رافق هذه ألانتفاضه, انهيار يبدأ بحوار بسيط ما بين ذات الثائر المتآكلة المتألمة ونفسه المتمردة الجامحة. حوار تبرز نتائجه كلما زاد ضغط المحقق وقدرته على إدارة الحوار على طاولة مفاوضاته ومباحثاته, وبعيداً في غالب الأحيان عن أي عنف، حوار متواصل لا يكل فيه المحقق ولا يمل,  وغالباً حسب المتلقي المستجوَب, إذ يتناوب المحققون بوردياتهم الاستخباراتية على الأسير، وتتواصل الساعات، ويوصل الليل بالنهار,والأسير جالس موثق اليدين والقدمين في الكرسي في ذات الوضع بدون أدنى فرصة  نوم, وبتحكم مطلق في كل حركاته.

    عندها يصبح للكلمات وقعها في النفس, وتأخذ حيزها في ذات المناضل، وتستقر في قرارها المكين, فتتلاقح مع خبائث وشوائب ومصالح ذاته, فتنضج بويضاتها في جوف ظلمات ثلاث وتتكاثر وتتوالد, وتغزو مجتمعة معا مثل جيش أعد طويلاً للنصر في حرب حروبه الاخيره, وتهاجم كوامن النفس ومراكز القوة فيها فتتآكل تباعاً وتنهار كحصون الأساطير وقلاعها. وعند التقاط المحقق أول إشارة تنبئ بحوار داخلي حول فتح كٌوّة الخلاص الفردي, يتراجع المحقق ويخلي المكتب الغرفة, ويبحث مع طاقمه آثار حُمَّى الهزيمة وعلامات مرض النفس، ويكمن مع مخطط  جديد على عتبات إرادة الأسير ليوقعها في حبال شباكه. ويعاود الهجوم برؤيا جديدة ومخطط جديد، وينتظر من المستجوب الأسير، أن يبادر الى طلبٍ ما، مرحاض أو حمام أو طعام أو ماء أو لحيظات من نوم حتى, كي يبدأ المساومة.   

 ************************


(الحلقة الثامنة)

)امتيازات بقدر(

    ويرافق كل هذا توفير جزء من امتيازات يتحكم المحقق بكل حيثياتها وميقاتها وغالبا ما يتحكم بنتائجها، سيجارة، شاي، قهوة، طعام خاص، تلفون مع الأهل، استراحة لنوم.. كل هذا يرتب ويتم في لحظة تردد عابرة يعيشها الأسير حائر تتنازعه الظنون، فيلقي المحقق من خلال ثقبها الضوئي المتناهي في الصغر خيط صنارته ليصطاد فيها منها عنق رحمها الفكره، وبعملية أشبه ما تكون باستولاد أطفال الأنابيب، يُرحَّل المحقق المختص الخبير جنود الذات المتهالكة عبر النفس المتآكلة للأسير إلى مكامن الإرادة الصامدة فيه. إنها إشارة النزع الأخير التي يطلقها ميت يحتضر على فراش موته قبل أن يفارق الحياة، هيأ لها لسان سلس، تهديد وتخويف،إغراء وإغواء وتحفيز، واستخدام متقن لعاملين:  عامل المكان المقدّر أبدا جديداً للأسير، وعامل الزمان المشلول المتباطئ الطويل والمفتوح على كل الاحتمالات.

   وتنهال كلمات المحقق من قاع الجحيم، لتصب ححما في أذني وعي الأسير المتعب من موت الأيام في عينيه سهرا من وجع : ستبقى هنا.. هذا قبرك الجديد .. هذا قدرك..  هكذا ستبقى إن لم تعترف .. لدينا المعلومة، وعليك إثبات صحتها والإقرار بذلك وإكمال الصورة،  لدينا كل شيء، نحن جهاز"السوبر بَوَر" الذي لا يقهر. فمن أنت؟ مجرد أسير مسلوب القوى، حتى أنك لا تستطيع التحكم هنا "ببولك" أو "نومك" أو"طعامك وشرابكوإنك لن تستطيع هزيمة "جهاز" ؟هو الأقوى في العالم مهما صمدت ؟ كم ستصمد؟ نحن لم نعتقلك إلا بعد أن تأكدنا من صحة المعلومات، لماذا لم نعتقل صديقك فلانًا أو أخاك أو جارك أو...؟ لماذا أنت بالذات وفي هذا الوقت تحديدًا ؟

    سمعناك، سجلنا لك، راقبناك ! ولدينا شهود عليك !! لن تضيف لنا شيئاً. الشهود سوف يحققون هدفنا في إبقائك رهن القيد أسيراً، نحن نريد فقط مساعدتك  !! ثباتك- عنادك - هذا سوف يضر بك!!  فيما اعترافك- انهيارك - سوف يفيدك !! من الأفضل لك أن تنزل الى القاضي باعترافك أنت لا باعتراف الآخرين عليك..  نحن من يحدد الحكم فاعترف هو أقرب للنجاة، وأدعى لتخفيف الحكم والخلاص والخروج من هذه الحالة ! حرام على وقتك؟  ثم كم ستصمد في مثل هذه الظروف؟ شهر، شهرين، ثلاثة، نحن قادرون على تمديد اعتقالك حتى نهاية الزمن، والذي لن ينتهي. سوف نمدد لك بقرار من المحكمة وبكل سهولة شهر يتبعه شهر تتبعه شهور متلاحقة متلاصقة؟

    وهكذا ينفث سمومه من ثقب لا يكاد يرى في هرم الإرادة متسلحا بالذات الباحثة عن النجاة، ومستخدماً النفس المتأرجحة جسراً للعبور برتابة جيش نظامي مستعد لخوض معركة النصر الأخيرة على وقع أنغام المجد، وعلى ضْوء انتصاراته المجيدة وتجاربها وتاريخها.

    خوار يتمدد في ثنايا النفس فيزيدها إرباكاً، وحوار يخضع الذات فتزداد انكماشاً وتتراجع إلى حد لا تعود قادرة فيه على مواجهة ذاتها خجلاً منها، وأسفاً على ما آلت إليه أحوالها، حيرة تعتلي سطح الجسد، وترتقي الى مراكز الإرادة، وإرادة أنهكتها هجمات ذاتها ونفسها، وعقل يُطْلَبُ للنجاة  فلا نجاة، صمود وثبات حيناً، وانهيار وانحسار أحياناً أخرى؟ مد وجزر، وإرادة تحاول النجاة على ظهر جواد الصبر فتتيه في صحاري مقفرة من كل حياة، وتغرق في سراب بحيرات تداعب الخيال تترامى في كل الأطراف، تتسع وتتراءى بلا قرار، عندها لا تطلب إلا الخلاص، ولا خلاص هنا إلا بالاستسلام لشروط السيد المطلق، المحقق المدجج بالقهر والمفطور على القتل والمرتحل بأحقاده عبر التاريخ ومن كل موانئ العذاب إلى شطان طمأنينتنا .

    بيد أن قرار الانهيار يؤخذ بوعي كامل وبإرادة واعية مدركة للمخاطر والتبعات والآثار النفسية والمادية المترتبة على الاعتراف.

     قرار صعب يصل فيه المناضل حافة الانهيار، حيث أعلى نقطة في "صخرة انتحاره"، والتي تتمثل له بكل قبح التاريخ، من حطام الخرافة المجدولة رعبا على أوتار الجدات تغزلها حكايات لليل شتوي طويل طويل، ثم وعند لحظة يأس جامحة، هي امتداد لظلال سوداء قاتمة، وبأيدٍ خفية يستجير بها الأسير فلا يجار. يقرر الرجوع  فيتدافع نحو سقوط، لكن عندها يكون الوقت قد فات، انهار البطل، أعطى شيئاً ما في لحظة ما، فيحاول جاهدا أن... ، علَّه يرأب الصدع الذي ألحقته نفسه بجدار إرادته الهيكل الشامخ المتماسك ، لكنه  يفيق من غفلته نادماً، باكياً، محطمّا، ويتمنى لو أنه مضى مع الشهداء الصادقين الأوفياء الى علّيين. ثم يتمنى من جديد أمنيته الأخيرة، آه لو أنه لم يفق أبدا وبقي في غفوته، سكرةٌ هي الصحوة هنا الآن، غير أنَّ كأسها هزيمة مُرّةً بطعم العلقم .

    كان بإمكانه أن يبقى على ثباته لو أراد ، لو كبح جماح ذاته، وأغلق منافذ بحثها عن خلاصها المؤقت العاثر، أو حتى كان بإمكانه الخلاص لو عزز ثغور دفاعات نفسه المتصدعة، إلا أنه أتبع نفسه هواها بكل هذا التجرد والعري والوضوح، لم يستخدمها كمصدر، ولم يوفرها كعمق، أراد لها أن تحتكم إلى سلطان ذات منهارة، ذات النعيم الكاذب والوعود الكاذبة والخلاص الكاذب المؤقت، من استمرار جلوسه في ظل هذه الظروف القاسية.

    ثم كان بإمكانه  -لو أراد-  أن يصمد، لو قبل أن تَشْحَنَ إرادته بَواطنَ الضعف في نفسه، أن تسد مداخل العبور المترامية في ذاته. إرادة كان بإمكانها أن تصنع المستحيل لو تسلحت بمقوماتها الذاتية -: عمق الإيمان بقضية، الفعل البطولي التحدي، الإهانة التي يمارسها المحقق، العذاب والامتهان والهوان الذي يفرضه المكان،  وكل تلك المحصّلة التي ارتقت بنفسه الى أن يكون مستعداً للتضحية والفداء بكل ما يملك.  ثم كان أن تغاضى عن ذلك وأنام دوافع إرادته وطاقاتها واستطاب لحظات الترف المعسول المخادع الذي صَبَّتْهُ ذاته ونفسه في بواطن وعي إرادته.

                                           كيمياء جسد
     وأخيراً كان بإمكانه أن يتمرد على جلاديه، أن ينتفض لو أنه استجاب لمنطق العقل )؟‍‍‍‍ (في ميزان الربح من "صمود"، والخسارة في انهيار واعتراف وانكسار؟ وهل هناك أحلى وألذ وأطيب من طعم الصمود انتصارا في زنازين التحقيق على الجلادين الطغاة؟؟ وهل هناك بالمقابل ما هو أمرٌّ من طعم الهزيمة استجابة لشروط الجلادين المهينة؟؟ وهل هناك أحقر من لحظات ذلها الباقية في النفس حتى الأبد؟

    كان العقل قادراً على وقف نخر إرادته ووقف تآكلها؟ أوليست هي جيش دفاعه الأول؟ أولم يكن بإمكانه أن يستعين بكل صور البطولة والصمود عبر التاريخ؟ ألم يقرأ يوماً عن أصحاب الأخدود، وعن الرسل والأنبياء، والصحابة، وأصحاب المبادئ والرسالات والثورات ؟؟‍‍‍  لا يعقل أن يكون الجواب لا؟ وإلاّ كيف استنهضت نفسه إرادة الفعل والانعتاق فيه؟؟ وكيف تمردت الإرادة على مهبطات ذاتها ومكبلاتها المتعلقة فروعها بالحياة، والضاربة جذورها في ملذاتها في قعر العدم منذ فجر الخليقة، وشهوة قابيل الأولى؟ لكن لماذا أوقف سلطان عقله عند هذه اللحظة؟ لماذا لم يسعف شخصه المعنوي المجروح منه فيه؟ وينقذ قيمه ويتماسك؟ ألف سؤال ولا جواب سوى التآكل والتراجع والبحث عن الخلاص الفردي الآني المتسرع أمام الضغط، كشرط إرادة للخروج مبكرا وسالما؟

    بحث للذات عن الذات في الذات هو الاعتراف؟؟؟ اختلال معادلة كيمياء الجسد والروح، انهيار جدران النفس الحصينة، شلل أضلع الإرادة، انفلات من موازين العقل السديدة وانقلاب على قوانين الصراع الرشيدة.

   انعدام لبوصلة اتجاهات المصير هو الاعتراف؟؟؟ ولحظة ندم تقارب الإثم في وقعها على نفسية الثائر المعترف، فيما "الصمود" قيمة تعدل العمر بعزِّه وشموخه وكبريائه وكل لحظات مجده مجتمعةً في آن معا؟.

    تلاش لمطالب الذات هو الصمود ؟؟؟ تفان في تضحيات النفس وقدرتها على الصبر. تجسيد مادي لأثر الإرادة والروح على جسد ؟ احتكام لسلطان العقل، استجابة فطرية لنداء الواجب، إنضاج لمفاهيم البطولة في أتون القلب، تحدٍّ لجبروت المحقق بكل إمكاناته المادية والنفسية، وهو فوق ذلك انعتاق من شروط القيد، وتحرر من وقع دبيب الهزيمة، وتعالٍ على المكان والزمان بقيودهما وشروطهما الرهيبة التي لا تطاق.

    إن لحظة الصمود هنا في التحقيق تحديدا تعدل دهرا يكون الإنسان فيه كل شيء مذكورا. لذا، لذة الانتصار في التحقيق لا تعدلها لذة كل لحظات الجماع والطعام والخشوع في صلاة معاً ? إنه الثبات الذي لا يحمل سوى معنى واحدٍ : النصر؟ إما النصر وإما النصر؟؟ وقديمًا قيل النصر صبر ساعة أو ساعة صبر، هنا النصر في التحقيق نصر على ذاتك أولاً، وعلى المحققين ثانيًا وعاشرًا، لكنه صبر ساعات متعاقبة في قَبْوِكَ تعاقب الليل والنهار، والصيف والخريف والشتاء والربيع. دورة طويلة تحتاج الى مجاهدة للنفس مع الذات، ومصابره  وقدرة فوق عادية على الاحتمال، والصبر على العذاب المتواصل نبعا يفور من قهر يصب في بحيرات الانهيار يغذيها.

    صمود لا يتأتى إلاّ بالإيمان، وليده الشرعي. وأي إيمان هذا الذي هو مطلوب هنا الآن؟ إيمان بالله وتعاليمه. إيمان بكل القيم والمثل والمسلكيات الثورية، ، وبكل نماذج البطولة عبر تاريخ الشقاء والجهاد والنضال والصراع للإنسان؟ صمود نابع عن إيمان، وإيمان راسخ عقيدة في صدر مؤمن قلب نابض بالعزة لا يعرف من الخوف سوى ما يمكنه كي يدرك كنهه ويسيطر عليه، ويتصرف ضمن معطى وجوده كحقيقة قائمة.

   القناعات والفكر والثقافة والتجربة مغذّيات للإيمان، وجداول تصب في نهره العظيم الخالد، ليحيي كل المشارب الحميدة في ذات ألإنسان القاحلة، فتورق حياة تعج بالأمل، ويتصلب عودها النضر، فيكون هناك صبر واحتمال، وقدرة على صمود وتحد، ومثابرة وتواصل في حقول ألغام من يأس تطل برأسها مع كل خطو، وصخور عذاب مدمية حادة الحواف، شاهقة العلو تتلاقى على جسد وتضيق مثل لحد قبر لجاحد كافر؟

   هنا في أقبية الموت حيث العذاب بالمرصاد وعلى مفترقات كل الطرق ، لا حياة بلا إيمان. إيمان بعدالة القضية وأهمية التضحية في سبيلها، وإيمان بعنف المحتل الغاصب وعدوانيته وقسوته وضرورة الخلاص منه، وإلايمان بالنصر في نهاية المطاف. إنها الغيوم الممطرة املآ فوق ظلال الروح القاحلة اليائسة،ً والباعثة للحياة في أنفسنا المتمردة أبدا على كل اضطهاد وظلم.  

   التحقيق؟ ثبات أو اعتراف؟ عذاب وقهر، تفكك وتماسك، صمود وانهيار، هبوط أو علو، وقبل ذلك قدرة عجيبة على احتمال، والتحقيق خليط من مكان وزمان قدا معًا من عذاب وصبا لهيبًا من حممٍ ونار في جوف إنسان. مفردات تدل على رحلة عجيبة غريبة مثيرة في النفس الإنسانية هو التحقيق، ودورة مكثفة في علم نفس الإنسان، معركة هو التحقيق طابعها العام الصراع، صراع الحق مع باطلة، صراع الإيمان مع نقيضه، صراع الضحية مع جلادها المحتل عدو الشعب والوطن، عدوالحضارة والعادات والتقاليد والقيم والأخلاق.. معركة تختزل صراع الإنسان مع الإنسان عبر التاريخ، بيد أن الصراع هنا يحمل القهر والقمع والموت والدمار والخضوع والصمود والهزيمة والاستسلام والانتصار وفق تراتيبية مذهلة.

   هنا في هذا المختبر البشري، حيث يستعاض عن الحيوانات بالبشر، وعن الأخلاق بالحقد والكراهية والضغينة المتجذرة في العقل الجماعي للأعداء، هنا تجرى كل تجارب القدرة على السادية والقدرة على إنتاج الموت كصناعه احترفها الأعداء منذ قديم الزمان.. والبشري هنا إنسان، والإنسان مناضل فلسطيني في سبيل كرامته الحرية، والمختبر زنزانة بحجم جسد، الأدوات فيه محقق بلا حدود من حيث الإمكانات والسلطان والقدرة على التحكم وممارسة القهر والعذاب، وعتمة وظلمة وصرخات وآلام.

 ***********************

(الحلقة التاسعة)

حالة انكسار

  

 لنرتقي صعوداً, ولنتقدم إلى الأمام, خارجين من النفس الإنسانية وتعقيداتها وتداخلاتها إلى حيث الأجواء المحيطة بالثائر المعترف المنهار, وبغض النظر أكان الاعتراف أمام المحقق بفعل العذاب ، أو في غرف العار بحكم الجهل. يصعب رصد نفسيته أو تحديد معالم شخصيته، وبالتالي إحداث خريطة بيانيه لسلوكه, إنسان مجروح إنْ لم يكن محطما, يُرمى بعد الاعتراف في زنزانته وحيداً أو مع رفاق القيد من أجل الإمعان في قهره وتعذيبه، وحتى إذلاله وتدجينه على الذل، وخلق هامش يسمح بالتعايش معه وفيه, كائن اجتماعي يتفاعل في محيطه الاجتماعي الاعتقالي الجديد, يحمل هماً يغطي مساحة الصدر، وصدر يعتصر القلب، وقلب يكاد ينفطر من هول الجرم والإثم, وتحديدا إذا ما كان هناك اعتراف عن شخص أو أشخاص غيره.

    وبعد أن يفرغ المحقق من الضحية, بعد أن يضمن أن ضحيته تحمل خذلانها فيها، وتنمو وتكبر فيه,  يُنقل الأسير المهزوم إلى المعتقل, فيلجأ في الأسر إلى تأليف القصص والحكايات، ويخترع روايات متعددة متناقضة إذا ما لاحقها فطين أو مجرّب, فَيُهوِّل في ظروف التحقيق، ويُعَظم من حجم الضرب والتعذيب والسهر والتجويع, يبني على جزئية ما أو حدث عارض مسوغات اعترافه. وغالباً ما يدّعي الثبات والنكران والصمود، ثم يصل في نهاية المطاف إلى الاعتراف؟ فيخرجه مُغلّفاً بالخجل, فيعمد إلى الكذب.. ثم قد يدّعي أن اعترافه كان في"غرف العار" وقد... انخدع ؟ فلماذا ؟

   لكن مع كل رواية وحكاية جديدة ومهما أوتي من القدرة على التأليف وقوة الحفظ, إلاّ أن فلتات من هنا وهناك تدفعه من حيث لا يدري إلى إضافةٍ أو حذفٍ أو تعديلٍ أو تبديلٍ. لكن في أعماقه تكمن الحقيقة، وتقبع مرآة مصقولة واضحة وبشكل كبير, فيها يرى حقيقته على حقيقتها, فيجهد, يعيد اللحظات الأخيرة التي سبقت الاعتراف علَّه يجيب عن تساؤل حيَّره منذ لحظتها.. لماذا اعترف؟؟ وكيف اعترف؟‍‍ ولماذا لم يصمد ويقاوم نزوات نفسه، ونزعات ذاته التي قادته الى الاعتراف غير المسوَّغ, ويتمنى لو أن الزمان يعود, فيدور ليصمد صموداً أسطورياً مميزاً لم يسبقه إليه من قبل احد, علَّه يريح ضميره الذي أثقله الانهيار وفجعه السقوط. حوار ليلي مدوي يخوضه معظم الأسرى المعترفين وتحديدا منهم أولئك الذين اعترفوا على غيرهم مع ذواتهم المضطربه.  

   وإن بدا على سلوك المعترف الظاهر للآخرين غير ذلك, إلا أن الاعتراف هو أطول فترات التحقيق, وأكثرها قدرة على البقاء رسوخا في قعر النفس مع الايام.  يغادر الأسير الزنازين,  يخرج من ظلمتها ونورها الوئيد المقيت، ومن حرها وبردها ورطوبتها، وسهر لياليها الممل الطويل خائفاً ومترقباً إلى أن يخلص من كل هذا العذاب ومن رهبة المحققين وقسوتهم , إلا أنه وعندما يُرحَّل الى السجون حيث الجدران المتعاقبة المتلاحقة في انتظاره, يجلب معه إلى السجن الزنزانة بعتمتها وظلمتها وبرودتها وكل طواقم التحقيق فتسكنه بعد أن كان يسكنها وباختلاف وفارق كبيرين, إنه كان سيسكنها لو صمد مدة محدودة في عمر الزمن. أما الآن فإنها تسكنه كلما اختلى بنفسه، وكاشفها بحقيقتها، أو كلما اختلس نظرة عبر مرآته في قعر صدره فيرى الآخر ظله المنكسر الممدد الذي يلازمه ويطارده ليذكّره في تلك اللحظات العصيبة التي انهار فيها,  ظل ظليل ذو شعب يكشف أخاديد النفس وثقوبها، ويبرز الخدوش التي تركت آثارها في وجدانه وضميره.

    ويبقى السؤال هل ثمة مسوّغ للاعتراف؟؟ وهل الاعتراف خيانة؟؟ أم انهيار غير معقول أو مقبول عند نقطة انكسار حرجه؟؟

    إن مما ساعد على الاعترافات وبدون حدود هو "إركان" الثوار في هذه الانتفاضة على أوهام حلول "أوسلو" وحدود جغرافيتها السياسية الوهمية الهشة, وبأن الاحتلال لن يجتاح المدن والقرى والمخيمات وكل مكان فيه فلسطيني, وبالتالي عملهم في وضح النهار من حيث حمل السلاح والاشتباك والاستعراض وتجنيد الاستشهاديين والحديث علانية عن التصنيع واستخدام الهواتف النقالة بدون أدنى حذر, والتنسيق العلني بعيدا عن أي حس امني او وعي, مما وفر كماً هائلاً من المعلومات المجانية الدقيقة للاحتلال بالاستعانة بقدراته التكنولوجية التجسسية، وجيش الخونة العملاء في صفوف الشعب  تلك العقارب والأفاعي السام التي طلب منها الخروج من جحورها لرصد حركة كل فلسطيني ثائر متمرد شريف , وما أقلهم في عصر "أوسلو" المنحط وإفرازاته.

   هكذا حددت أقدار الثوار: إما شهيداً باغتيال، أو أسيراً باعتقال, والنتيجة في التحقيق  مواجهة بكثير من المعلومات والحقائق، وبالتالي سهلت عمليات الاستجواب وانتزاع الاعتراف، وتحديداً من رموز الانتفاضة وقادتها المركزيين والميدانيين، إلا أن حجم الاعتراف كان مذهلاً, كما إن كشف أدق التفاصيل كان غير مسوّغ أو مستساغ وإعطاء معلومات مجانية للمحققين أو في غرف العار والى هذا الحد, لا يمكن فهمه أو استيعابه تحت كل الظروف؟ إذ كيف يمكن لمحقق أن يصل الى خفايا ما تحويه تلافيف الدماغ بدون إذن مسبق، واتفاق مسبق، وقرار مسبق يؤذن بانهيار وباعترافات بلا حدود؟ ويبقى السؤال؟ لماذا هذا الاعتراف؟؟ وبهذا الحجم؟؟ ولماذا انعدم من مفاهيمنا الصمود كقيمة نضالية وطنية عظيمة, وقطع طرف الخيط الذي يبدأ بك وينتهي بك, حتى وإن بدأ بغيرك فيجب أن ينتهي بك أنت وحدك؟ فأنت عنوان الصمود، الصمود الذي يعني أنك أنت وحدك قبر الحقيقة والتي هي هنا فعل واجب تقديره قاوم مبني على الصبر والتضحية والبطولة والتحدي والفداء؟

   كن أنت الصمود، إذن أنت احتراق الخيط, ونهاية مطاف المرحلة لملف قد يتسع لأسرى جدد، وشهداء جدد، وعقود وقرون من سنوات الأسر لضحايا ما كان لينقذهم ويهبهم الحياة ويحررهم إلاّ صامد؟ فهل ترى أهمية عدم الاعتراف والتماسك والثبات, إنها أشهر من عذاب الآن، لكنها استثمار في بنك الحياة مجدا  سيوفر عليك وفي كل الأحوال سنوات شقاء وعذاب ضمير وقيد وأسر وقهر, وستوفر أعمارا من أعمار أخوة لك ورفاق درب لا زالوا على العهد وعدا صادقا، أنت وحدك فقط القادر بصمودك وصبرك وعنادك على إنقاذهم من عذابات السجون وذلها المهيمن المهين المقيم .

   فلماذا لا تحتمل هذا العناء؟؟ ولماذا لا تعزز كل ملكات القدرة والرجولة فيك, كي تكون بحق ثائراً عنيفاً مميزاً وقائداً حقيقيَّاً عنيدا, حتى لو كنت أنت المجموعة والتنظيم والعملية والفعل المقاوم؟

نطل على جبل

    ما أجمل أن تكون بحجم العالم بمعنوياتك التي ستزلزل الأرض تحت أقدام جلاديك, ستعذبهم أضعاف عذابك بصمودك, وستبقى كابوساً يؤرق مناماتهم، ويقض مضاجعهم, سيرونك جبلاً من كل نافذة، وسداً أمام كل منفذ أو طريق. سيعلنون عجزهم لك بكل الصور، مهما احترفوا مضغ اللغات وعلكها فإنهم يقدرونك في خفاياهم، ويحسدونك كيف تستطيع الاستمرار بالصمود تحت وطأة هكذا ظروف. ستتبدى غيظاتهم موجات انفعال جنونيه. تصور أنك تُشغل الآن كل هؤلاء المحققين، وتوصل ليلهم بنهارهم، وتفرض عليهم اجتماعات طواقمهم.

    وتذكر أن صمودك سيبدو واضحاً في احمرار عيونهم وانتفاخ جفونهم وسهد لياليهم, فما أعظمك وأنت تلوِّح براية صمودك فوق كل هراواتهم وسلاسلهم، وتَنفذٌ من توالي جدران مكاتبهم إلى حيث تريد وأنت صامد  .فيما أنك لاشيء, صَدِّقْ , أنك لاشيء يذكر عندما تبدأ بالإدلاء باعترافاتك, سطوتك تفنى، خوفهم منك يتلاشى, احترامهم لك يذوي في مستنقع اعترافاتك بكل هذه المعلومات المهمة والتي كان بكل تأكيد لديك مطلق القدرة على إخفائها في تلافيف دماغك وخلاياه, فما أعظمك صامداً, وما أروعك.

    بيد أن آثام الاعتراف ستلاحقك طوال سنوات عمرك الباقيه، حتى عندما تبهت صورة الأسر والسجن مع أيام حريتك الموعودة والتي ستقضيها مخلفاً وراءك يوميات مثقلة بالبطولة والصمود والقهر والذل والعذاب والخضوع والشموخ. كل شيء سيبهت إلى حد التلاشي إلاّ ذل الاعتراف, سيطلع لك كل صباح ساطعاً مثل شمس حارقه في سماء حياتك ليذكرك, بأنك هناك في عمق الزمن، وعند لحظة ما, كان بإمكانك الصمود, لكنك استجبت لقوى الضعف فيك وقررت الاعتراف باحثاً عن خلاصك الفردي اللحظي, الخلاص الآنيَّ من كلمات المحقق، وكرسي التحقيق، وزنازينه وسهر لياليه. ظننت عندها أن هروبك للأمام نجاة  فإذا به انتحار, وكأنك لو كنت تدري انما هربت من الموت بالموت إلى الموت؟‍؟ فلماذا تختار هذا العذاب المؤبد وترحل بقيدك وزنزانتك وقلقك الى المستقبل الآتي من بقايا حطام الروح ؟

    عش حاضرك واصنع مجدك بانتصارك؟ كم مرة تمنيت أن تُنفّذ اشتباكا ًمع الأعداء وتنتصر؟؟..  وكم مرة خططت لعملية ونجحت؟؟ هذه واحدة من أهم عملياتك البطولية ..وهذه واحدة من معاركك الخاصة, فانتصر؟ لا خيار ولا مجال أمامك سوى الانتصار.

    اصبر واصمد وحدّث بنفسك ذاتك, أدر قانون الحوار في الزنازين ببراعة واحتراف وإتقان؟ وبدلاً من أن يغزو المحققون نفسك المتمردة بذاتك المترنحة بحثاً عن خلاصها, هاجم أنت ذاتك الخائرة بنفسك الصامدة وأخرجها من هذا الخوار, ادعم مقومات صمودها ومجدها وعزها, جادلها بالتي هي أضمن، أعد الثقة إليها, لملم حطامك وانتفض. لا تقبل بأقل من هزيمة معذبيك وقاتليك, هؤلاء هم جلادوك القتلة سيضحكون على انهيارك، ويسكرون ويسمرون أمام اعترافاتك؟ سيعلّقون النياشين مهما كانت مرتبتك في الثورة أو التنظيم، وحتى إذا ما كنت مجرد إنسان عادي حرّكه الظلم كي يتمرد ويثور بكل عنف التاريخ ضد المحتلين الطغاة, سيفخرون هم بانتصارهم عليك، وبانتزاع الاعتراف منك، عد إلى نفسك، أيقظها من سكرتها ونشوتها أمام وسوسات ذاتك،أوقفها عند الحد الذي لا يجوز تجاوزه؟ فأنت ثائر ولن تكتمل مسيرة ثوريتك بكل  معاني البطولة فيها، إلا إذا انتصرت في هذه المعركة الخاتمة من حروبك البطولية الطويلة التي أفنيت عمرك فيها ثائراً حراً شريفاً، وكريما عزيزا؟ لا تدع الهوان يهز نفسيتك ويقوِّض نفسك، إرادتك أقوى مما تعتقد، ومما قد تتصور، أنت لو هممت لبلغت عنان السماء بها، فلماذا لا تختبرها بوعي  وتمرد ؟

   وكيف ستقبل لكل سنوات شموخك أن تذهب هدرا بلا ثمن  تحت الثرى, بعد أن كانت شمس سمائك الدنيا، وقمر لياليك المنير؟ عد إلى جذورك وأروها من حبك للوطن، ومن كرهك للأعداء السفلة القتلة وكل الفاسدين والخونة؟ أسقها من طهر دمك وصبيب عرقك وغزير دمعك. لكن لا تفرط بقيمة الصمود فيك ابدا؟ ولا تقلل من شأن الاعتراف؟ انه إثمٌ يحوك في صدرك مثل علّة القلب قلقا وضيق النفس هوسا وعسر الهضم ألما ووجعا.  فلماذا لا تحتمل ليلة صراع مع جلاديك؟  

 ***********************

 (الحلقة العاشرة)

الخروج من رحم اليأس 

    كم ليلةً قضيتها مطاردًا؟ كم تحملت من برد وخوف؟ وكم كمينًا نصبت؟ وكم رصاصة أطلقت، وكنت أقرب للموت فيها منك للحياة؟ فما الذي أوهن من عزيمتك الآن؟ ألا ترى أنك وأنت الآن جالس على كرسي مقيد تشغل من عليه كل هذه الطواقم المتحركة بالموت موتًا وعذابًا؟ فكم ساعة بقي أمامك ؟ فكّر هكذا ولا تفكر في كم يومًا قضيت؟ فكّر - فقط - في كم ساعة بقي أمامك على هذا الكرسي الصامت، ومع هذا الحاقد القاتل والذي أشرف على قتل فدائي هنا في التحقيق، وطفلة بريئة هناك من جراء القصف والقنص؟

   لن يطول الأمر بك, استجمع قواك ووظّفها في هذه المواجهة المحتدمة, سيطل فجر الصباح بوجهه الضاحك، وستعطى فسحة من وقت على قدر وجبة طعام أو أقل، فكّر فيما ينتظرك إن أنت صمدت؟ وإن أنت اعترفت ؟ لا تفكّر الآن في أهلك وناسك الذين يحبونك، بل فكّر في معركة الحياة بعزة، اشرب علقمها، واجعل من قهرك حقدًا على أعدائك, ومن ذلك هنا الآن عنوانًاً لكرامة شعبك, وسببًاً وجيهًا لانتصارك وخلاصك. هذه معركتك الأخيرة فلا تجعل الأعداء يهنأون بها, اسلب الفرحة ولذة القهر من صدورهم, فما أعظمك منتصرًا أيها الفلسطيني الفدائي المعجزة.

   إذن, هل الاعتراف خيانة؟ ! بالتأكيد لا ... لكنه بكل وضوح وتحديد هزيمة وانهيار وانكسار غير مبرر. وحتى تلك التنظيمات التي طرحت ذات يوم أن الاعتراف خيانة لم ينجُ مقاتلوها وقادتها من حالات اعتراف فيما كان الصمود ميزة يتفاخرون بها, وهي بلا شك رفدت وأثرت وأغنت فكر المواجهة، وغذّت روح الصمود، وزادت من مساهمة الثبات، وسجلت نماذج للبطولة والصمود في تاريخنا ألاعتقالي الطويل والمرير المكثف .

   إلا في هذه الانتفاضة، فان الاعتراف صار حدثا عاديا أو كاد, فيما فقد الصمود قيمته النضالية، وتراجعت نسبته العالية, لدرجة بات فيها الاعتراف قرين غالبية عملية التحقيق, واحد نتائجها المنتظرة, فقليلون جداً هم أولئك الذين لم يتجاوبوا مع الأعداء حتى في حرف واحد رغم الأدلة والشهادات والشهود.

   علينا أن نبحث هذه الظاهرة المرَضِّية الخطيرة المتفشية في ثقافتنا, الاعتراف. علينا أن نعيد عملية بناء العنصر رغم صعوبة ذلك بسبب " ثقافة أوسلو" المنهارة، وإفسادها لشعبنا، وبسبب تغلغل ثلة من الخونة الفاسدين المأجورين السماسرة والوكلاء ونفوذهم وتنفذّهم واعتلائهم مقاليد الحكم والسلطة والحياة، وسيطرتهم على مجريات المشهد اليومي للحياة الفلسطينية، وسلبهم ونهبهم موارد الوطن، وقمعهم وقهرهم لحقوق وحريات وكرامة المواطن.

   ورغم كل هذا الواقع المخجل, يجب إعداد ثوار مسلحين بالوعي, وعي المواجهة بعيدا عن تجربة الصح والخطأ، ووعي كامل شامل بتداعيات المواجهة وآثارها، وعملية الاعتقال ومتطلباته وشروطه وظروفه.

   وعي بالصمود كقيمة نضالية وطنية غالية ومهمة, فمن سيتحمل هذه المسئولية تجاه هذه الأجيال التي تكبر لا على وقع خطى الثورة، بل على واقع خطى الفساد والإفساد، واستكانة الحكام وذل الشعوب المقهورة. فهل سننجح في خلق واحة تمثل إشراقة أمل؟؟  وبالتالي تكون قدوتنا في صناعة جيل مؤمن بعدالة قضيته المهددة من ذويها وجلاديها؟ لكي نخلق جيلاً مستعدًّا للتضحية بشبابه وعذاباته من أجل رفع الذل والقهر والقيد؟ وإنجاز الحرية والنصر بالاستقلال والسيادة والكرامة الوطنية؟

    إن أيامنا القادمات من مجاهيل القدر وحتمية النصر المبين حبلى بالمواجهات والمعارك والحروب مع أعدائنا..جولات من دماء ودموع, ذات مد وجزر, وإقدام واقتحام, فعدونا جاهز لنا متربص بنا، ومستعد لإجهاض حلمنا، وقتل الأمل فينا، وتهجيرنا ألف مرة ومرة، وفك ارتباطنا وصلتنا بأرضنا وقضيتنا ووحدة شعبنا. وإن كل مواجهة قادمة ستعني فيما تعنيه عنفًاً غير مسبوق، وصدامًا عنيفًاً متنوعًا سيشمل ساحة الوطن فلسطين، وقتالاً يستند إلى ما قد علق في أذهاننا "للأسف "من صور مشرقة نادرة خضناها في كل معاركنا.

    من جانبنا لا بد من استعداد وجاهزية عاليه نقلل فيها من حجم الخسائر في صفوفنا، ونزيدها في جبهة الأعداء وصفوفهم, نزلزل بنيانهم الاجتماعي والاقتصادي، ونضرب عمقهم العسكري, من خلال إعداد العنصر المؤمن، والقائد المخلص كنتاج لثقافة متكاملة، وعملية تحول اجتماعي كبير تعاد فيه القيمة للمناضل، وتعود فيها الرمزية والقدسية للفدائي البطل الذي ضحى وسيضحي بحياته وشبابه وملذاته، وسيخلف وراءه الأم الباكية، والزوجة الثكلى، والأولاد المحرومين من حنانه.

   علينا أن نعيد للمقاومة هيبتها، وللثورة دورها العملي والقادر على تغيير الواقع الفاسد، وأن نعيد للإنسان الفلسطيني العظيم مكانته في العملية الثورية, ولن يتم هذا إلا إذا تضافرت الجهود، وسخرت الطاقات، ووظّفت القوى وعاد للمؤسسات دورها الحاضن والمغذي في آن واحد.

   علينا أن نحمي مؤسساتنا الأكاديمية وتحديدًا الجامعات والتي تحولت الآن وفق منهجية مدروسة ومخطط لها باحتراف إلى مراكز عرض للأزياء، ودور للحب والعشق والفسق والغرام بما يسيء لقيمنا وثقافتنا، ويشوه مكانتها كمنبر للعلم والعلماء والعمل الاجتماعي الوطني والسياسي المقاوم، وعلى حساب دورها الحاضن والباعث لكل تغيير إيجابي، وقائد ومجس وطني حساس ومرهف ناقد ومتمرد.

   علينا أن نفعل على أسس ديمقراطيه سليمة, اللجان والأطر والهيئات العمالية والطلابية والنسوية والشبابية، وكافة الاتحادات والتي لها دور هام ومؤثر في عملية التحول والتطور والتأطير والبناء والتغيير, هذا الدور يجب أن يمارس من خلال اعتلاء قيادات شرعية وطنية مملوءة بالحيوية والإخلاص والولاء لرسالاتها وأدوارها وقيمتها في هيكل البناء الاجتماعي الثوري- الوطني.

    لا بد للمؤسسة الرسمية أن تُفَعَّل وتعاد صياغتها لتأخذ دورها التاريخي، وتتحمل مسؤولياتها الوطنية من خلال تطهيرها من رموز الخيانة والولاء للأعداء، ومن كل عناصر الفساد والإفساد والنهب والإثراء، وإعداد آلاف الموظفين في المؤسسات المدنية والأمنية لمعركة البقاء ضمن الصراع الشامل مع الأعداء‍.

    ولا بد من إعادة صياغة الرسالة التربوية التعبوية خلقيًّا ووطنيًّا للمؤسسة التعليمية، وعلى كافة المستويات، وبما يشمل جميع المراحل، وبتكامل مع دور المؤسسة الدينية بما يعيد للفضيلة مكانتها، وللوطن حضوره في وعينا وفكرنا وثقافتنا وسلوكنا، وبتناغم يكشف كل نشاز، فيلفظه قيئًا قبيحًا قذرًاً إلى حيث مزابل التاريخ بعيدًا عنا. 

***********************

 (الحلقة الحادية عشرة)

ملامح الآتي

 

 ومن النتائج المؤكدة لأي انفجار في الصراع، واحتدام في المواجهة, ظاهرة الاعتقال والتحقيق, الأمر الذي يفرض علينا تسليح أجيالنا المناضلة المنتمية منها أو الشعبية، برصيد من الوعي حول كل تفاصيل عملية الاعتقال، والاستجواب، وغرف العار، ودور الخونة، وأثر الإسقاط في التحقيق على بنية الخلايا والحركة الوطنية - الإسلامية المقاتلة, وأن هذا الوعي هو السد المنيع، والدرع الواقية من أية خسارة كبرى وحقيقية مع الأعداء في أية معركة.

    علينا أن نعزز من فضيلة الصمود والصمود فالصمود, وأن نحذر من رذيلة الاعتراف وإثمه, والاعتراف بلا مسوّغ (ولا مسوّغ للاعتراف) وبدون حدود.

 إن هذا الوعي على متطلبات المرحلة القادمة من ألف ثورتها إلى ياء نصرها, واجب وطني وإنساني وأخلاقي يقع على عواتقنا، أفرادًا وأعين، وكوادر مثقفين، ومؤسسات مؤهلة.. وأنا هنا أدرك تمامًا أن كلامًا معسولاً كهذا قيل وما زال يقال, ثم ما أسهل أن يقال وكفى؟

    إن المرحلة القادمة تتطلب منا مثلما تفرض علينا, أن نضع البرامج والآليات ضمن جدولة محددة ووفق أهدافٍ واضحة قابلة للتطبيق، وواجبة التطبيق في ذات الوقت, وإلا فإن كل معركة خسارة لنا وكسب للأعداء علينا, أو كسب لهذا الجيش الذي نجحوا في خلقه منذ بدايات الصراع في جبهتنا الداخلية ممثلاً في طابور الخونة والفاسدين وأصحاب الولاء من أهل النفوذ لكل شيء وأي شيء سوى الوطن والمواطن والقضية.

    إن المعركة القادمة سوف تندفع متسلحة بما أوقعته الانتفاضة من خسائر في العدو, وقبل أن تتوافر مناخات كتلك التي مضت لكي تنسى أجيالنا بشاعة العدو وجرائمه ودماره وقتله في صفوفنا بفظاعة، وكذلك لن تنسى أثر الانتفاضة الخالدة، والتي أوقعت في صفوف العدو كل هذا العدد من القتلى، والجرحى، والدمار والتعطيل وإغلاق المؤسسات، وضرب السياحة، والإخلال بميزان الهجرة، وزرع الخوف الجماعي الذي قارب في فترة من الفترات حالة الذعر الجماعي العام.

  إن الأجيال القادمة سوف تتخطى حدود جرأتنا، وتكسر حواجز خوفنا وجبننا في معالجة الشأن الداخلي، ولن ترحم تجار العهر والدم، الجناة بحق شعبنا وثورتنا وفدائيينا ومجاهدينا، والجناة لثمار دمنا المهراق، وعذاباتنا وأسرانا وجرحانا.  لذا, سوف تكون الموجة القادمة ذات وجهين: وجه عنيف مقاوم ضد الاحتلال ومؤسساته وأذرعه، ووجه دموي خطير يطال تجار العهر والقتل والدماء, الجناة بحق الوطن والمواطن.

    كذلك لن يجد الصامت المتفرج أو الشاهد على ذبح الوطن مكانًا آمنًا له في هذا الوطن، حيث سيطاله الاحتلال حيث كان،      ولن يجد مفرًّا من الاعتراك، والمشاركة في العملية الثورية النضالية من أجل تغيير الواقع الفاسد الذي هو نتاج الاحتلال وآثاره المدمرة. لذا فإن المواطن الصامت هو المذنب الأكبر والأخطر في حق الوطن.

   فالصامت عن الاحتلال وبقائه واستقراره مجرم, والصامت عن مؤازرة المقاومة وتأييدها مجرم, والصامت عن رموز الخيانة والفساد مجرم وفاسد..لا بد من إدراك جماعي لأهمية ممارسة الثورة بأبعادها الإنسانية والحضارية، وعلى الأصول والأسس الناجحة التي خاضتها الشعوب في مشارق الأرض          ومغاربها، وانتصرت على أكثر الجيوش مناعة وقدرة. ما أحوجنا لقيادة واعية مخلصة وفية مؤمنة بحتمية النصر، وحتمية التطور وحتمية البناء الديمقراطي.

   نعم آن الأوان لشعبنا أن يثور بكل ما فيه, ثورة عارمة تحقق النصر, ويكفينا هبَّات النُخَبِ المؤمنة العظيمة البطلة بحجم تضحياتها، وقدرتها على التواصل والاستمرار، وبحجم وقع ضرباتها وآثارها على الاحتلال، وما أوقعته من خسائر مادية وبشرية ومعنوية في هذه الحقبة التي رسم معالمها أبطال منهم من قضى نحبه ومنهم من أُسر وجرح، ومنهم من يقارع مطاردًا من الاحتلال حتى الآن. لابد من إنجاز واحد بحجم التضحيات الكبيرة نبني عليه, الأمر الذي يحتِّم علينا قيادة سياسية بحجم الأهداف النبيلة السامية.

    كفانا احتكامًا لخصومنا رسل الأعداء فينا وسفرائه ومندوبيه.. فإلى متى سيصمت الشعب عن هكذا امتهان، وعلى هكذا ذبح معنوي؟ أَوَلمْ نميِّز بعد نجاح "أصحاب تيار أوسلو الاقتصادي" في كل أهدافهم وبرامجهم الشخصية ؟ أليسوا هم أصحاب الوكالات    والاستثمارات والرتب والامتيازات؟؟ ولمن نضحي نحن؟؟ ولماذا؟؟ ومن الذي يجني كل ثمار تضحياتنا؟؟ وأين دور الحركات الاجتماعية والفكرية والسياسية كي تؤسس لثقافة وطنية تأتي بالشرفاء الأوفياء الأكفياء؟ ثم أين دور التنظيمات والحركات الجهادية المقاتلة؟؟ ولماذا صمتت كل هذا الوقت عن رموز الفساد والخيانة الذين ينفذّون فينا حكم الأعداء قهرًا وإذلالاً وإفقارًا وإفسادًا وتملكًا للأوطان؟ ألم تؤهلنا كل هذه الأطياف السياسية، والحراك الاجتماعي، والصراع الوطني، وتجارب الشعوب        ونجاح الأعداء, بعد, للقيام بدورنا الأساس والبديهي الصحيح تجاه هكذا تعسف وخذلان؟  وهل كل سنوات النضال العجاف هذه فشلت فعلاً في خلق ثقافة وطنية ذات أبعاد اجتماعية ودلالات بنيوية كي تضعنا على سكة الحضارة لندرج على خطاها نحو التقدم والكرامة والحقوق والديمقراطية؟. عشر سنوات من الهدم والنهب والامتهان والفشل والفساد والخيانة لم تحركنا قيد أُنمله نحو الواجب الذي علينا القيام به تجاه شعبنا وقيمه وتقاليده، وتجاه ثقافتنا وأعرافنا للحد من نفوذ سماسرة الأعداء هؤلاء في جبهتنا الداخلية... والذين استباحوا كل محرماتنا، وتجاوزوا كل خطوطنا الحمراء‍‍‍!!

نهايات مظلمة، وبدايات قاسية وبطولية ومتعثرة هي ما ميَّز كل سنيَّ نضالنا وعطائنا ومقاومتنا وصراعنا الحضاري مع عدو متمكن من كل مقومات الانتصار... فيما نحن نعيد أنفسنا فشلاً يفوق كل فشل سابق... وتباينًا ينذر بالسوء، ويبشر بالعواقب الوخيمة...‍‍

   إذن لو رصدنا كل جزئيات واقعنا لوجدنا أن الفشل سمة مرافقة ومميزة له... رغم كل هذه الطاقات والقدرات والإبداعات على الصعيد الفردي، أو حتى أحيانًا على صعيد بعض المؤسسات الأهلية.. فيما أن محصلة فعلنا لا تتراوح الصفر صعودًا أو هبوطًا!

   نحن لم نكتب دراسة نقدية واحدة تفسر أسباب نجاح هنا أو هزيمة هناك!.. عطّلنا النقد وحرَّفناه وأبقيناه شعارًا مرفوعًا لنخفي خلفه وتحته وفيه كل عوراتنا!! وعلى مسيرة هذه السلطة أو حتى الثورة لم تجر مساءلة ومحاسبة لمسئول واحد قصَّر بكل وضوح، وأساء بلا أدنى شك، ونهب بالدليل القاطع واستغل موقعه، واستثمر منصبه، وفشل إداريًّا وعطَّل كل محاولة نجاح، وقمع كل فكرة ناقدة... وبما أننا لسنا مجتمعًا ملائكيًّا.. بل بشريًّا.. فإن الخطأ وارد ومتوقع، والأخطاء وقعت فعلاً ومورست جهرًا وعلانية... إلا أن مذكرة واحدة لم تُحرَّك ضدهم؟!. ولا حتى صوت واحد رفع رسميًّا أمامهم؟ بل كان الترفيع وكانت الهبات حليفهم الدائم؟! حتى صار المسيء الذكي هو الذي يرتقي في سلم المسؤوليات على صعيد الثورة وشبه الدولة في المؤسسة الصغيرة كالبلديات أو المناصب الرفيعة والعليا في المؤسستين المدنية والأمنية!! وكُرِّست كل الجهود لملاحقة خبر